Haitham Mekkawi M.D.

Thursday
Sep 09th
Text size
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
Home كتاباتي يحكي ان كان عصامياً يسارياً

كان عصامياً يسارياً

البريد الإلكترونى طباعة PDF

(... لتشفى من حالة عشقية  يلزمك رفاة حب لاتمثالا لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق مصرّا على ذياك البريق الذي انخطفت به يوما. يلزمك قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس اليك...)   أحلام ...

كثير منا ياتون الي هذه الحياة  و جيبوهم مليئة باوراق الغش ... مليئة بالخداع اما هو فقد حضر الي هذه الدنيا دون اي ورقة...  دون اي صحيفة... دون  غش...

 

كثيرون يتمنون الكثير ... اما هو فيتمني ان ينام هادئاً  ... كان مجرد  رجل اخر ... يظهر و يختفي في احياء المدينة ... يظهر بصمت  ليغيب بذات الصمت ... كان انسان بسيط او لنقل  كان مجرد الة ..
فالرجل ليس الا الة اذا أسقطت جميع احاسيسه ... كذلك كان صاحبنا ...

كثيراً ما كان يتردد علي محطة القطار لم يفكر يوماً في شراء سيارة ... كان يخشي القيادة ... و رجل المرور ...  كان يخشي القانون ...
كان يخشي الكثير  و الكثير...  كان حبيس  الخوف ...
من المنزل الي العمل و بالعكس ...

اما  هي فكانت كانت جميلة بكل ما تحمل الكلمة ... او لنقل كانت  تمثال للجمال ...
 بسيطة هي في كل شي ... الا فكرها ... عيناها تبرقان جمال ...
ممسكة دائماً بالقلم  ...
اميرة الكون اذا ابتسمت ... ابتسامتها نور شمس يشع حياة ...

 انفاسها تهز  عروش الرجال  ... الا انها لم تكترث كثيراً لذلك ..
لا ادري ان لم  تكن تعلم ذلك او علها  كانت تخفي ذلك ...
ما يهم انها لم تستغل سحرها  قط ...
لم تغش قط ...
دائمة الحضور هي و صحيفتها ... كانت صحيفتها صديقتها الفضلي لا تستطيع ركوب القطار الا بصحبتها ... كانت صحفية ...
كانت يسارية ...

هكذا كانت حياتهما حتي  التقيا في  محطة القطار  ذات مرة ...

لم يدري لماذا استوقفه كشك الجرائد ذلك اليوم ... لم يستوقفه كشك من قبل ...  لم يشتري جريدة قط ... الا ان  اليوم ولدت لديه رغبة في شراء صحيفة  ... رغبة ملحة ... لم يفهمها  لم يحاول فهمها ...  تجاوزت اي غريزة كان قد عرفها ... اليوم سقط اسير شهوة القراءة ...
اشتري صحيفة للمرة الاولي في حياته ...
و عاد يحمل صحيفته في انتظار القطار ...
اما هي فنسيت صحيفتها للمرة الاولي ... اليوم دون الايام استيقظت متاخرة لم تجد متسع من الوقت لشراء صحيفة كالمعتاد ...
كانت تحس انها تسير عارية دون صحيفتها ...
انتهي بها مطاف الركض الي محطة القطارات ...

تستعد  لتستقل قطار الحياة الي العمل ...

واقف هو امامها  .. يحمل صحيفتها  .. شدتها أناقته ...  ثقافته .. فهو يحمل تلك الصحيفة  ...

هو انسان مثقف ما دام يحمل صحيفة  ذلك ما ردده عقلها ...
اتراه يقراء مقالي الاخير ؟

سرعان ما سقطت في هواه او هوى الصحيفة ...

فرغبة القراءة اليوم  اقوي من اي رغبة اخري عرفتها ...
شهوة قراءة اعترتها هي الاخري ...

 ترددت قليلاً ...قاومت ما استطاعت ...الا ان قواها خارت امام الصحيفة ... و نظرات عينيه ...

بكل خجل  طلبت منه ان تقراء قليلاً من صحيفته حتي ياتي القطار
... لم  يمانع هو... لم يستطع الصمود  ... فقد سقط اسير سحر عينيها ...

تمر بعينيها علي اسطر الصحيفة دون ان تقراء... كانت تسبر اغوار افكاره ...
شعر هو  بلهيب نظراتها رغم برودة الجو ... و سقوط المطر ...

منذ ذلك اليوم اصبح يحرص علي شراء جريدة كل يوم ... اما هي فلم تعد تشتري اي صحيفة  ... كانت  تقراءه كما تقراء صحيفته ...

اختاره قلبها قبل عقلها ... حاولت مع عقلها محاولات شتى ...
 ان توقف شلال العواطف تجاهه ...
كاي مثقفة  انتهجت منهج الحوار مع قلبها  ... حاورته و داورته و ناورته حتى اقتنع في الرمق الأخير ...
و اعلن حبه له ...
هو استعاد احاسيسه ... عاد انسان ... يحب و يكره ...
اصبحا حبيبين يقريان الصحيفة  معاً ...
لم يكن يعرف الكثير عن السياسة ... كانت هي معلمته ...
علمته السياسة ... اصبحا لا يفترقا ... كانت يسارية هي ... اما هو فكان بلا لون الا  لون عينيها ...

ازدانت الأفراح في قلبيهما ...
 جمالها ازداد جمالا ببريق عينيه ...
 اما هو فازداد لمعاناً  ببريق فكرها ...

 كانت هي من يخطط و يتحدث و هو من يستمع ...

 في سرها خططت كيف ستقضي حياتها معه بكل تفصيلها  ...

اما هو فاصبح يحلم بعالم كبير عالم الساسة و السياسة ...
 في عالم الأفكار السري عرفت كيف ستسعده و تفك أسره من وحدة رتيبة يشتكي منها ...

اما هو ففي عالم فكره نبتت فكرة الوصولية .. الاصولية ...
تقدم الصفوف اصبح عضو مرموق في حزب مغمور ...
خطيب يأسر الالباب ... كانت هي من تحفظ كل خطاباته الجماهيرية ... فهي من خطها ...
كانت تستمع لكتاباتها مسحورة ...

في لحظة توهج العاطفة و دون أي سابق إنذار تركها و مضى .....دون تبرير أو توضيح فقط اعتذر عن إكمال المهمة و رحل ...

أرقها و آلمها هذا البرود الذي قوبلت به عاطفتها المتأججة ...
جرح كبرياءها كأنثى هذا الرحيل المفاجىء...

 تمنت لو لم تعرفه قط ... تمنت لو انها استيقظت باكراً ذلك اليوم و اشترت صحيفتها ...

و عادت هي وحيدة لصحيفتها ... و سرعان ما كرهت صحيفتها ... فصوره تطاردها ... السياسي الكبير ... العقل الكبير ...

اما هو فطالت ساعات وحدته كثيرا  ...
أيامه باتت  تمر كئيبة دون مؤنس أو خليل ...
 يقاربه فكرا او عاطفة  ...
اصبح وعاء فضفاض ... رجل بلا ملامح 
الا ان عناده بقي مسيطرا عليه  ...
و سره سيبقى دفين صدره إلى يوم القيامة ...
لم يكن هو صاحب المجد ... الا انه يجلس علي العرش ...

كان يعلم انه  سيبقى وحيدا يأكل وحده ينام وحده و يبكي وحده و في المحطة الأخيرة سيموت وحده  ...

بيته خاو... بارد... حزين ...

اصبح من ساكني  بيوت الاشباح ...
 تلك البيوت مخيفة لأنها تخلو من الروح ....

بيوت يكون الهواء فيها ثقيلا ... تمر ساعاتها  ببطء شديد ...
سيموت وحده و عند حشرجة الروح لن يجد من يمد يديه ليخفف عنه آلام الخروج
عند حشرجة الروح سيمر  أمامه شريط الذكريات و الأعمال و الأقوال و التنهدات و الذاكرة كلها عندها ستكون حاضرة ...
عند تلك اللحظة القريبة البعيدة سيتمنى لو عاد به الزمن أدراجه ليسعدها و تسعده بقربها و لو  ساعة من زمن ...
هواجس و مخاوف لم يستطع الهروب منها الا بفتح التلفاز ...
ليري صورة نفس القطار و قد انقلب ... و صورتها هي تحمل الصحيفة ... لم تكن عينيها تشع ضوء فقد ماتت ...
يرن جرس الهاتف  ..قاطعاً كل الصمت
يجيب نعم سيدي ساستقيل ...
نفس الصحيفة  يتصدرها  خبر بالخط العريض   "انتحار وزير النقل بعد حادث انقلاب قطار ماتت فيه أمرأة"
مثقف اخر يقراء الخبر و يقول لحبيبته " ما انزه هذا الوزير"
تقول هي "نعم يا حبيبي  فقد كان عصامياً  يسارياً"...


هيثم مكاوي الخرطوم 11 يناير 2009

تاريخ آخر تحديث ( الأربعاء, 02 شتنبر/أيلول 2009 07:19 )  
Comments (1)
kh sudan
1 الجمعة, 30 أبريل/نيسان 2010 23:33
mohamed
مجرى الاحداث خيالي لكن الخيال اصبح واقع ملموس خاصه في السودان اهنئك يا دكتور و انصحك بعدم استقلال القطارات اذا قدر لنا ان نكون من بلدان القطارات و المترو ابقى عشره على عربيتك

Add your comment

Your name:
Your email:
العنوان:
Comment:

علي ضوء القلم

...كان يحب الصباح و القهوة و "هي" ...
...رحلت فأصبح "صباحه" قهوة و سيجارة ...
...و عزف الحان شوق من أوتار قلب صار للحزن قيتارة ...
...فمتي تكف أقلامنا عن النزيف كتابة ؟...
هيثم مكاوي 24 يونيو 2009

 


 

 

 

مغارز

 

رحلة اخيرة الي الطبيب

هيثم مكاوي الخرطوم 27 يناير 2009...

 

اطفالنا محارم من ورق

لم يفكر كثيراً ... لم يتردد ...هيثم مكاوي الخرطوم 31 ي...